رحلة الى بلاد الروس

 

عندما عزمت على كتابة هذا الموضوع لمنتدى مصر موتورز حصريا, كانت خطتى هى الكتابة عن السيارات المتواجدة و الشارع الروسى عموما,

لكننى وجدت ان هذه البلاد تستحق أكثر من ذلك,

روسيا ليست بلد اوروبية غربية بالمعنى المفهوم, و ليست أيضا بلد شرقي, روسيا تجمع النقيضين,

ليست بلد الحداثة,

و لا هى بلد يعيش فى الماضى,

ليست بلدا غنيا, و لكن بها جميع مظاهر الثراء الفاحش.

يمكننا أن نقول على روسيا على انها بلاد جريحة, هذا هو الوصف الأمثل. حقيقة لم تتعرض بلد ما لما تعرضت اليه روسيا أو “رشا” كما ينطقها الروس,

روسيا قدرها الحرب, الموت, و الحزن.

انها بلد الدموع بلا منازع.

بداية الرحلة : غيوم و برد و زحام!

وصلت الى مطار موسكو (الذى تم تفجيره منذ وقت قريب) الساعة الثالثة تقريبا, السماء ملبدة بالغيوم (هذا هو الحال فى روسيا طوال الشتاء, هذه البلاد لا ترى الشمس الا قليلا), البرد قارس, الحرارة ثلاثة درجات تحت الصفر, و لكن كما ادركت فيما بعد, أن الحرارة كانت معتدلة فى هذا اليوم.

استقبلنا “ديميترى” الروسى و الذى يعمل بفرع الشركة بروسيا, ليسافر معنا من موسكو الى مقر الشركة, فى مدينة “تيفير” Tver تلك المدينة الصناعية الصغيرة و المهملة.

فى البداية بدا الطريق جيدا, كنا نركب سيارة فورد فوزيون صغيرة, لكن ما لبثنا ان اكتشفنا ان الطريق المؤدى للمطار هو الشارع الوحيد غير المزدحم فى موسكو.

يستغرق الطريق الى تيفير حوالى 160 كلم, لكننا يجب ان نأخذ الطريق الدائرى لمسافة 10 كم أولا للصعود الى طريق موسكو-سان بطرسبرج و الذى يمر على تيفير.

و عندما سألنا كم سنأخذ من الوقت, عرفنا أن الطريق سوف يأخذ ما بين 5-6 ساعات, لأننا سوف ندخل فى زحام موسكو الرهيب (هكذا قالها the great traffic jam of moscow).

و عندما دخلنا الطريق الدائرى حول موسكو, عرفنا ما يقصده فعلا,

لم ارى أبدا فى حياتى ازدحاما مثل هذا,

ان زحام القاهرة يبدو كطريق سريع بجانب هذا الازدحام الغريب, فى القاهرة هناك حدود للازدحام, يبدأ و ينتهى فى نقاط معينة, و بعد ذلك تسير السيارات بشكل طبيعى, و غالبا ما تكون قبل الكبارى و الأنفاق أو عند التقاطعات و الاشارات.

فى موسكو الازدحام فى كل مكان, و لا ينتهى أبدا, ليس هناك نقاط محددة مزدحمة

فى حوالى 10 كم استهلكنا ما يقرب من 5 ساعات من الزحام المتواصل, و هذا الطريق الدائرى السريع, فما بالك بوسط موسكو!

يضحك الروس كثيرا عندما نشتكى لهم من زحام القاهرة, الأن عرفت السبب.

رغم ذلك كان الطريق جيدا و أنيقا, هناك تشابه قوى مع القاهرة لناحية الألوان و الاعلانات,

السيارات فى موسكو كانت متنوعة لدرجة انه من النادر ان ترى السيارة نفسها مرتين (فيما عدا اللادا طبعا), هناك تنوع و تعدد فى ماركات السيارات, لكن الصفة الغالبة هو السيارات الاوروبية.

طريق السفر الى تيفير كان متواضعا مقارنة بالطريق الدائرى, ضيق للغاية, و لا يوجد اضاءة, و مزدوج الاتجاه

 

تيفير :

تيفير مدينة صغيرة و لكنها مهمة فى روسيا,

تشتهر بكونها مدينة صناعية قديمة و مهملة, و تكتسب اهميتها من وجودها شمال موسكو و على الطريق الى سان بطرسبرج.

موسكو و سان بطرسبرج هما أهم مدينتين فى روسيا, الأولى هى العاصمة منذ العصر الشيوعى, و هى أكثر المدن ازدحاما و سكانا فى روسيا, و سان بطرسبرج هى المدينة التى كانت عاصمة روسيا القيصرية و ربما تكون أجمل مدن روسيا و أشهرها.

تيفير تغير اسمها عام 1931 الى كالينين و هو اسم قيادى شيوعى, ثم اعيد اسمها مرة اخرى عام 1990 مع روسيا الفيدرالية.

المدينة الصغيرة هى منبع نهر الفولجا و بدايته, حيث يبدأ معها نهر الفولجا الكبير بعد التقاءه بنهر تيفرتسا.

شهدت مدينة تيفير المعركة الفاصلة و الدموية التى جرت على نهر الفولجا المتجمد بين جيوش هتلر و الجيش الروسى, و التى شهدت تراجع هتلر و بداية هزيمته, لكن بعد ان دمرت الناحية الشمالية من المدينة تماما و سويت بالأرض.

أعيد بناء تيفير على عجل بعد الحرب العالمية الثانية, من الخشب نظرا لعدم توافر النقود و مواد البناء, و حتى الأن فان المبانى و البيوت الخشبية القديمة ما تزال موجودة.

 

100_0848

انا, و ورائى يبدو تمثال لينين المتواجد فى وسط تيفير, احدى التماثيل القليلة التى لم يمسها سوء.

هذا هو مركز المدينة, و من ورائى تبدو المبانى الحكومية.

 

100_0854

 

انا مرة أخرى, فى وسط المدينة أيضا, ورائى اعلان لاحدى شركات المحمول اسمها “بى لاين”!

كما فى مصر, فان معظم الاعلانات تتركز على خدمات المحمول, بى لاين هى الشركة الثالثة على ما يبدو, لكننى اشتريت خط من شركة اسمها TELE2.

 

السيارات و المرور فى روسيا :

100_0927

صورة لمكان انتظار سيارات مجاور للفندق, بالطبع هذا المكان فى وسط المدينة و هى منطقة مترفة, كما ترون السيارات فاخرة فى معظمها بالمقاييس الروسية.

100_0876

هذه المنطقة شبه ريفية, من جانب احدى الكنائس القديمة, و فى الخلف مبنى رياضى شيوعى قديم و مهمل, المرور بالطبع فى هذه المناطق خفيف للغاية.

100_0873

 

الباسات الخاصة بمدير الشركة هناك, تعتبر سيارة فاخرة بالمقاييس الروسية, لأن السيارات مرتفعة الثمن هناك مثل مصر, و الباسات هى أكثر سيارات فولكس انتشارا هناك.المدير أخيرا قام بتغيير سيارته اللادا و اشترى الباسات, و عندما ركبنا معه, كان قد بدأ للتو يحبها, لم يكن يحب الباسات أبدا و مازال يتوق للادا التى أعطاها لابنه.

100_0851

لادا, لادا, لادا, كما ترون, اللادا هى أكثر السيارات انتشارا فى روسيا,و يزيد انتشارها فى تيفير باعتبارها أفقر من موسكو و هى السيارة الوحيدة التى ربما تراها مرتين فى مشوارك.

بعكس موسكو, فان تيفير مدينة هادئة, و غير مزدحمة حيث يسكنها حوالى نصف مليون نسمة فقط, مقابل ما يزيد على 10 ملايين نسمة فى موسكو.

الشوارع فى تيفير معظمها صغيرة و ثنائية الاتجاه, و يتوسطها خط المترو أو بالأصح ال”ترام”, بعكس موسكو ذات الشوارع العريضة.

السيارات فى روسيا معظمها اوروبية, و ليس معنى ذلك ان السيارات الأسيوية لا وجود لها, و لكنها –بعكس مصر- لا تسيطر على الشارع الروسى.

بالطبع فان السيارات الروسية لها نصيب الأسد, و خاصة اللادا التقليدية, و اللادا سمارا المنتشرة بكثرة, و اللادا 2110 الحديثة, و كذلك النيفا.

السيارة الروسية الثانية هى الفولجا, و هى سيارة روسية انتجت على قاعدة سيارة لفورد فى البداية, و كان الهدف هو انتاج سيارة فاخرة على شاكلة السيارات الأمريكية الكبيرة المترفة و السيارات الاوروبية الفارهة مثل مرسيدس.

بدأت شركة جاز الروسية فى انتاج الفولجا عام 1956, بديلا لطراز جاز بوبيدا, و كان الهدف انتاج طراز عصرى و فاخر.

تطورت الفولجا على مر السنين, و استخدمت عادة كسيارة أجرة, أو سيارة شرطة, أو سيارة اسعاف (النسخة الواجن).

و ركبنا الفولجا :

خصصت الشركة لنا سيارة أجرة من طراز فولجا 3102, و هو طراز بدأ انتاجة عام 1982, و توقف عام 2010, وجب الذكر ان طرازات فولجا كلها قديمها و جديدها انتجت بالتزامن مع بعضها البعض, و توقفت كلها عام 2010, حيث بدأ مصنع جاز بانتاج سيارة تسمى “سايبر” المرتكز على كرايزلر سيبرنج.

الروس يعتزون جدا بصناعتهم الوطنية, لذا فانه و قبل ركوب الفولجا, أعطانا المدير نبذة عن تاريخ الفولجا و أهميتها كفخر للصناعة الروسية! كما ذكر ان الاتحاد السوفييتى قام بتصديرها للخارج لمنافسة مرسيدس و بى ام دبليو, و لكنها لم تنجح لارتفاع سعرها.

تهيأت لركوب الفولجا, فهى سيارة كانت تنافس مرسيدس برأى الروس.

و عندما ركبت الفولجا عرفت لماذا فشلت فى منافسة مرسيدس!!

الفولجا كانت متسعة من الداخل, لكنها لم تكن مريحة أبدا حيث تأخذ الكراسى وضعية غريبة, كذلك المواد داخل المقصورة غريبة بعض الشىء, كانت خليطا من البلاستيك الردىء و عتلة تغيير السرعات فقط من الخشب (لا اعتقد انه ابنوس) و كان السائق الضخم يبذل جهدا كبيرا لتبديل السرعات.

من الخارج كان أنيقا و يوحى بالقوة, لكن طبعا ليس عصريا.

و مثل اللادا كان صوت المحرك مزعجا الى أقصى حد, لكن السيارة كانت تتسارع بشكل جيد.

لم تبدو الفولجا كسيارة فارهة أبدا, و يبدو ان الروس اعتقدوا ان اى سيارة كبيرة هى سيارة فارهة, سوف تشعر ان الفولجا هى عبارة عن “تكبير” للادا, و ليس اى شىء أخر.

أكثر موديلات الفولجا انتشارا هى الموديل 3110, و 3111, و هم أحدث قليلا (انتاج 2000 و 2004 على التوالى) لكن على صعيد التصميم فقط, حيث أخذت السيارة بعض الخطوط الدائرية, و لكن شكلها يفتقد للتناسق تماما!

 

بالنسبة للسيارات الأخرى, فان الفورد لها نصيب الأسد فى السوق الروسى, و خاصة الفورد فوكاس و فوزيون, و معظم موديلات فورد التى تصنع بألمانيا.

يليها السيارات الأوروبية الأخرى, مثل رينو و خاصة ميجان, و سيتروين سى 4.

بيجو موجودة لكن تمثيلها ليس مثل شقيقاتها الفرنسيتين.

بالنسبة للسيارات الايطالية, فانه و مثل مصر فان الفيات جراند بونتو لها نصيب الأسد هناك, تليها البرافا القديمة, أما البرافو الجديدة فانها متواجدة و لكن على استحياء و لم ارى اى وجود للينيا او الفيات 500, و هناك أعداد قليلة من الفيات بونتو.

و كذلك هناك وجود للألفاروميو و خاصة ال156 و ال155.

أما فولكس الشركة الأكبر فى القارة الأوروبية, فان تواجدها كان مقتصرا على الباسات فقط, أما الجيتا و الجولف فكانتا أقل من القليل.

السيارات الاسيوية لها وجودها, و لكن ليس بأعداد كبيرة مثل السيارات الأوروبية, و أكثرها انتشارا هى الميتسوبيشى لانسر البومة و الشارك, و كذلك النيسان التى ربما كانت اكثر السيارات اليابانية تواجدا فى روسيا, عبر طراز “ميكرا”.

العجيب ان تويوتا و هوندا كان تواجدهم قليل جدا, و هو ما لم اتوقعه, فلم ارى الكورولا و لا السيفيك سوى مرة واحدة طوال فترة تواجدى, لكن هناك عددا لا بأس به من سيارات اللاند كروزر.

الكوريون كانوا افضل حالا, و خاصة الهيونداى جيتز, و هى أكثر السيارات الأسيوية التى رأيتها هناك, و كذلك الدايو لانوس و الشفروليه لانوس و الشفروليه كروز.

أما أفضل ما فى الأمر, أنه لا من سيراتو هنا على الاطلاق, هى موجودة بالسوق الروسى كما سمعت, لكننى شخصيا لم ارى نسخة واحدة منها تجرى فى الشارع.

السيارات الصينية ايضا كان لها تواجدها, و مثل مصر, معظمها بل كلها من طرازات شيرى A516, و لا يفضلها الروس عموما و مثلنا يعتقدون انها سيارات غير امنة و منخفضة الجودة.

و قد حكت لى زوجة المدير هناك ان وكيل شركة شيرى عرضت عليها عملا اداريا, فقامت باجراء بحث على شركة شيرى على الانترنت (من منا يفعل ذلك!), و اكتشفت ان شيرى تصنع سيارات غير امنة و لم تجتاز اختبارات الأمان الأوروبية, فما كان منها الا ان رفضت العرض, لأنها – و على حد قولها – لا يمكن ان تساهم فى الترويج لسيارة غير أمنة (لثانى مرة, من منا قد يفعل ذلك!).

السيارات الفارهة لا وجود لها فى تيفير تقريبا, لكنها موجودة فى موسكو بكثرة, موسكو هى مدينة الأثرياء فى روسيا.

لو عرفنا ان معظم الأثرياء الروس قد كونوا ثرواتهم من تجارة الأسلحة, و المخدرات, و سائر أنواع الجرائم, فانه يمكننا ان نتوقع السيارات التى يمتلكونها, من جاجوار, و مازيراتى, فيرارى, و السيارات الأمريكية رباعية الدفع الضخمة.

شخصيا رأيت الجاجوار Xj, و المازيراتى كواترو بورتى أثناء مرورى بموسكو,

أما فى تيفير فان أقصى سيارة فاخرة قد تراها هى السكودا سوبرب!

بالطبع يعكس هذا المستوى المتفاوت بين الأثرياء و الفقراء فى روسيا.

 

 

 

 

يتبع.

Advertisements

مرحبا

مرحبا بكم فى مدونتى,

الاسم : فادى نبيل ناشد

22-8-1984

القاهرة- مصر.

المدونة هى تجميع لمقالاتى التى تناثرت فى عدد من المنتديات و المواقع, فأردت ان اجمعها كلها, و ان شاء الله ايضا تكون نقطة انطلاق لجميع المقالات القادمة قبل نشرها فى مختلف المواقع.