الحرب العالمية التقنية–الجزء الثالث–حرب أنظمة التشغيل الحديثة.

 

 

مايكروسوفت ويندوز NT.. الى المستقبل!

“كم تبلغ صعوبة كتابة نظام تشغيل؟!”- ديفيد كالتر

 

نحن الان فى عام 1988, حيث مايكروسوفت بدأت فى التحول الى شركة كبيرة بفضل مبيعات نظام MS-DOS, و سيطرته على الحواسيب الشخصية.

بدا ان العالم كله قد دان لهم, الا ان “ناثان ميرفولد” رئيس القسم التكنولوجي كان له رأى أخر!

كان رأى ناثان ان مايكروسوفت سوف تواجه خطرا كبيرا فى المستقبل يتمثل فى أنظمة يونيكس و معمارية RISC, فالأول نظام تشغيل متعدد المنصات يتمتع بخصائص تتفوق بكثير على MS-DOS, و معمارية RISC قد تزيح معالجات انتل x86, و التى تعمل عليها أنظمة مايكروسوفت.

RISC هى اختصار Reduced Instruction Set, و هو نوع معالجات له عدد قليل من التعليمات و عدد قليل من الموصلات Transistors, تتميز معالجات RISC بتوفير الطاقة و قلة الحرارة المتولدة. و هو عكس CISC او Complicated Instruction Set حيث يحتوى المعالج على عدد كبير من الموصلات و يدعم الكثير من الاوامر, و هذا النوع له خصائص متقدمة لكنه شره لناحية استهلاك الطاقة و يولد قدر كبير من الحرارة.

من أمثلة RISC : معالجات ARM المستخدمة فى الهواتف المحمولة.

من أمثلة CISC : معظم معالجات انتل بدءا من 8086 حتى معالجات iCore حاليا.

 

كانت توصية ناثان هى البدأ فى تطوير نظام تشغيل متعدد المنصات ينافس أنظمة يونيكس.

 

كعادته فى ادراك الخطر مبكرا, اقتنع بيل جيتس برؤية “ناثان”,

قام جيتس بجلب “ديفيد كالتر” و هو مهندس برمجيات مخضرم  من شركة DEC, كان قد ترك شركته للتو بعد سلسلة من الخلافات بسبب نظام التشغيل Mica الذى كان يشرف على تطويره.

 

DavidCutler_WindowsAzure

ديف كالتر, المبرمج الذى كان و هو فريقة وراء ويندوز الذى نعرفه الأن

 

جلب كالتر بدوره خمس مهندسين ممن كانوا معه فى DEC, و بدأ العمل فى مايكروسوفت بهذا الفريق الصغير.

كان الهدف فى البداية هو تصميم نسخة جديدة من نظام OS/2, غير تلك التى تطورها مايكروسوفت بالفعل مع IBM, و لم يكن نظام ويندوز بشكله الحالى قد تبلور بعد.

وضع فريق تطوير NT بضعة اهداف نصب أعينه لتحقيقها فى النظام الجديد :

– تعدد المنصات

– تعدد المهام

– دعم تعدد المعالجات

– دعم قياسية POSIX

– الالتزام بال”كتاب البرتقالى”, و هو كتاب يحدد مواصفات صارمة لنظام التشغيل الأمن الذى يمكن الاعتماد عليه لحفظ المعلومات الحساسة فى وزراة الدفاع الامريكية, و هذا يشمل تعدد المستخدمين, و تعدد نظم السماح بتشغيل الملفات و البرامج بحسب المستخدم.

 

للتأكد من دعم تعدد المنصات, اختار كالتر ان يعمل نظام التشغيل فى البداية على معمارية افتراضية هى i860, و هى فى الحقيقة معمارية RISC مستقبلية من انتل لم تدخل حيز الانتاج بعد.

بدأ الفريق الصغير المكون من خمس أشخاص, فى تصميم نظام التشغيل الجديد على ماكينة i860 افتراضية, و خرجوا بعد 18 شهرا بنواة بدائية.

بعد ذلك بدأ الفريق فى التوسع, و أصبح يضم 50 شخصا.

فى هذا الوقت بدا ان معمارية i860 لن ترى النور أبدا, فقرر الفريق استهداف منصة أخرى هى MIPS R3000, المهم ان يبقوا بعيدين عن منصة x86, لتجنب كتابة اى اكواد حصرية لهذه المعمارية واسعة الانتشار.

فى عام 1990, كان نظام NT بحال جيد و يعمل بكفاءة على منصة MIPS, لكنه كان بعيدا عن ما نعرفه الان بWindows NT.

صدر ويندوز 3.0 (راجع الجزء الثانى), و حقق نجاحا مفاجئا و غير متوقع, و بدأ فريق NT فى التفكير, لماذا لا نقوم بدعم واجهة ويندوز البرمجية Windows API فى نظام NT, و ندمج النظامين, و بذلك نسهل على المبرمجين الانتقال من برمجة ويندوز الى نظام NT.

سميت الواجهة البرمجية الجديدة بWin32, لتمييزها عن واجهة ويندوز 3.0 بمعيارية 16 بت. كانت Win32 متوافقة مع Win 16 و أضيفت اليها قدرات النظام الجديد, و هكذا أصبح من السهل نقل برامج ويندوز الى النظام الجديد.

الأن بقيت المهمة الاصعب, و هى موافقة IBM على OS/2 الجديد. نعم كل ذلك لم يكن ويندوز بعد, بل هو الجيل الجديد من نظام OS/2!

تم عرض النظام الجديد على IBM, و لم ترحب بالتغيير على ما يبدو, لقد أرادوا الالتزام بنظام OS/2 الأساسى,

رغم ذلك فان مايكروسوفت وافقت على استكمال مشروع NT, لكن هذه المرة لم يعد OS/2,

لقد أصبح Windows NT!

فى يوليو 1993, أعلن عن الاصدار الاول من ويندوز NT, بنسخة مخصصة لسطح المكتب Dekstop Edition, و أخرى مخصصة للخوادم Server Edition.

لم يحقق Windows NT النجاح التجارى المطلوب, لأنه كان يحتاج الى عتاد متطور لم يكن شائعا فى هذا الوقت. الا انه المستقبل لا شك.

بقى Windows NT نظاما حصريا للخوادم و المؤسسات الكبرى, بينما كان Windows 9.x (95 و 98 و ميلينيوم) و الذى كان خليط من اكواد 16 بت و 32 بت مخصص للمستخدم العادى فى المنزل.

 

windows_nt_3.51_3

ويندوز NT 3.51

 

أطلقت Microsoft مشروع أخر هو Cairo, و الهدف منه هو دمج نظامى Windows NT و Windows 9.x, الا ان هذه الجهود باءت بالفشل, و أرجأت مايكروسوفت هذا المشروع, فبرامج DOS ما تزال لها شعبية, و Windows NT لا يدعم الدوس بشكل كامل.

لن تنجح جهود الدمج الا مع وندوز XP فى عام 2001.

 

Apple , الفشل!

بينما كان مبرمجى مايكروسوفت يؤدون عملهم جيدا فى “ردموند-واشنطون” , كان زملائهم فى “كابرتينو-كاليفورنيا” يتعثرون.

كانت أبل ما تزال عالقة بنظام MAC OS القديم محدود القدرات, لم يكن هناك دعم للvirtual memory و لا protected memory, و لا preemptive multitasking, بل كان تعدد المهام يتم بطريقة cooperative multitasking, و هذا يعنى ان التطبيقات هى التى تمرر التحكم الى نظام التشغيل و التطبيق الذى يليه,

فى cooperative multitasking فان النظام يسلم التحكم الى التطبيق الاول, و الذى يقوم ببعض العمليات ثم يقوم بالرجوع مرة أخرى الى النظام الذى يسلم الدفة الى التطبيق الذى يليه و هكذا.

ان اى خطأ بسيط فى اى تطبيق كفيل بايقاف النظام عن العمل تماما. لذا عانت حواسيب أبل من سمعة سيئة على صعيد الأداء و الاستقرار.

فى الPreemptive multitasking فان نظام التشغيل يعطى وقتا محددا لكل تطبيق قبل ان ينتقل الى التطبيق الذى يليه, دون تدخل من التطبيق نفسه.

 

 

Taligent, التحالف ضد مايكروسوفت!

كنا نتوقع أن يكون لTaligent و Kaleida المزيد من التأثيربيل جيتس 1997

 

فى الثمانينات كانت مايكروسوفت شركة صغيرة نسبيا, فهى شركة برمجة و هى تعمل تحت جناح الشركات الكبرى المصنعة للحواسيب مثل IBM و Apple.

كانت IBM تعتبر مايكروسوفت باحتها الخلفية لكتابة الاكواد, بينما كان ستيف جوبز يرى ان مايكروسوفت تفتقد للابداع و الابتكار و انها سرقت أفكاره فى MAC OS, و كان يعامل بيل جيتس بغرور و تعالى, رغم ان مايكروسوفت كانت تجتهد فى كتابة برمجيات نظام ماك او اس.

 

لكنهم بعد عشرة سنوات فقط سوف يضطرون الى توحيد الجهود لمنافسة مايكروسوفت!

البداية كانت فى عام 1988, حيث اجتمع كبار مهندسى أبل للبحث فى مستقبل نظام تشغيل ماكنتوش,

تم توزيع أوراق صغيرة ملونة لكتابة الافكار عليها,  اللون الازرق للاضافات الصغيرة التى يمكن دعمها سريعا,

اللون الوردى للاضافات الكبيرة التى يمكن تنفيذها فى المستقبل القريب, و اللون الأحمر للأهداف التى عليهم تنفيذها فى المستقبل البعيد.

و هكذا بدأ مشروع “Pink”, و هو عبارة عن نظام تشغيل قائم على الافكار التى كتبها مهندسى أبل على الكروت الوردية.

كان “Pink” يتميز بكونه يعتمد على البرمجية كائنية التوجه, و مكتوب على لغة سى++ فوق نواة  من نوع الmicrokernel (و هذا يعنى انها نواة صغيرة تؤدى فقط الوظائف الاساسية مثل ادارة الذاكرة و توزيع الوقت بينما تتولى التطبيقات كل المهام الاخرى مثل تشغيل الأجهزة و هذا عكس الmonolithic kernel),

تولى “اريك رينجوالد” قيادة الفريق بهدف الخروج بنظام Pink فى 1989.

بحلول 1987 كان هناك عشرون مبرمج فقط يعملون على “بينك”, و فى المقابل كان المئات  يعملون على “بلو”, النسخة المقبلة من MAC OS, ما ادى الى بطء التطوير,

بحلول موعد التسليم المرتقب, لم يكن “بينك” جاهزا, الكثير من الخصائص لم يتم اضافتها بعد, كما أن النظام لم يكن مستقرا و لا يمكن العمل عليه.

غادر “رينجوالد” المشروع, و تولى “اد بيريس” المسئولية, و زادت أعداد المهندسين الذين يعملون على “بينك” الا ان معظمهم كانوا بخبرة قليلة, و استمر معدل التطوير بطيئا.

فى 1991 أعلن أبل و IBM عن تحالف واسع المدى, يتضمن ثلاثة مشاريع مشتركة :

– Pink : تطوير Pink كنظام تشغيل مشترك حول مبدأ البرمجة الكائنية.

– Kaleida : لغة برمجة مختصة بالوسائط المتعددة التى تعمل على القرص الضوئى, أيضا عانى الفشل.

– PowerPC : نسخة خاصة من معالجات ال RISC الخاصة بIBM تطورها موتورولا.

 

تأسست Taligent فى عام 1992 كنتيجة لهذا التحالف, و هى الشركة التى سوف تتولى تطوير Pink, و انتقل اليها مبرمجى أبل الذىن كانوا يعملون على هذا المشروع.

بمضى الوقت, بدأت الفوضى و التشتت تضرب Taligent, و من أمثلة هذا التشتت ان الفريق بدأ يفكر فى تحويل Taligent من نظام تشغيل الى طبقة تعمل فوق أنظمة التشغيل الاخرى مثل IBM OS/2, و AIX و حتى Windows NT, لأن بحسب اعتقادهم ان العالم لم يعد يحتاج الى نظام تشغيل أخر!

و هكذا تحول Taligent الى CommonPoint, و هو شىء يشبه الجافا أو ال.net,

فى 1994 تلقت Taligent دعم كبير عندما انضمت HP الى المشروع,

و فى 1995 صدرت أخيرا النسخة الاولى من CommonPoint و كان يعمل على AIX و OS/2,

 

فشل CommonPoint تجاريا, لأن احدا لم يعرف ما الهدف من هذا الشىء, و استولت IBM على Taligent بعد ان انسحبت أبل و HP, سوف يصبح CommonPoint هو الاساس لمكتبات Open Class فى IBM VisualAge (و الذى أصبح هو أيضا تاريخا!).

 

 

 

كوبلاند.. الفشل للمرة الثانية

“كلما رأوا شيئا مثيرا, أرادوا ضمه الى نظام التشغيل!” جيفرى تارتر – أخبار سوفت ليت 

 

كان واضحا ان Taligent قد فشلت, و ان CommonPoint لا مكان له من الاعراب, و كذلك مشروع Kalieda, و MAC OS 7.5 الذى صدر فى 1994 كان أقرب الى مجموعة مكتبات رسومية أكثر منه نظام تشغيل بمواصفات الوقت الحاضر.

و هكذا, قررت ادارة أبل البدء فى تصميم نظام تشغيل جديد,

مشروع Copland, النظام الذى وعدت أبل انه سوف ينافس Windows NT على صعيد الاعتمادية و الثبات, و فى الوقت نفسه يوفر واجهة رسومية جذابة و قابلة للتخصيص.

كانت الخطة ان يتم التطوير على مرحلتين.

المرحلة الاولى يتم نقل واجهة و تطبيقات MAC OS القديم لتعمل و لكن هذه المرة فوق نواة حديثة تدعم تعدد المهام و حماية الذاكرة Memory Protection.

المرحلة الثانية هى نقل الواجهة و التطبيقات الى النواة الجديدة.

التطبيقات القديمة سوف تعمل داخل بيئة منعزلة اسمها BlueBox و هى بمثابة ماكينة افتراضية لتشغيل برامج MAC OS 7.

النواة اسمها Nukernel و هى نواة MicroKernel ما يعنى انها نواة صغيرة جدا لا تحتوى على الا على الوظائف الاساسية مثل توزيع الذاكرة و ادارة التطبيقات. باقى المهام تتوزع على برامج من نوع خاص اسمها Servers, و هى التى تتولى معظم وظائف النظام مثل نظام الملفات و ادارة الشبكات و غير ذلك من المهام.

سوف يعمل Copland على معمارية PowerPC و المفترض ان يستغل كامل قدراتها لناحية تعدد المهام و حماية الذاكرة.

البرامج التى تكتب للنظام الجديد Copland يمكنها من استخدام وظائفه, بينما برامج MAC OS 7 سوف تعمل داخل الBlueBox, و هو محاكى لنظام MAC OS القديم مدمج.

المشكلة ان QuikDraw لم يتم نقله الى Copland, و كان متوفرا داخل الBlueBox فقط, ما يعنى ان تطبيقات كوبلاند لن يكون لها واجهة رسومية! و قد اقترحت أبل حلا مؤقتا و مضحكا لذلك,

هو فصل الواجهة عن التطبيق, حيث تعمل الواجهة داخل الBlueBox, و يتم فصل الوظائف الى Threads تعمل على كوبلاند.

على صعيد الواجهة, تم اعادة تصميم الكائنات لتصبح ثلاثية الابعاد و لها مظهر بلاتينى Platinium Theme, كما كان نظام التشغيل قادرا على تغيير جلده Themable ما يفتح بابا للتخصيص.

أعلنت أبل أيضا عن OpenDoc المنافس لMicrosoft OLE, و QuickDraw GX و الذى كان بديلا لQuickDraw القديم على نظام كوبلاند.

 

image

مشروع Copland  التجريبى و واجهته البلاتينية.

 

 

 

و أخيرا فى WWDC 1996 أعلن جيل اميليو بفخر عن كوبلاند و الذى أصبح اسمه System 8, و تم توزيع نسخة تجريبية على المطورين,

و لكن لم يكن كل شىء على ما يرام!

 

Ex-Apple-CEO-Chosen-as-Executive-Chairman-of-the-Board-at-ESS-Technology

“جيل اميليو” الذى قاد أبل فى فترة صعبة من تاريخها, و اليه يعزو الكثير من الفضل فى عودتها الى بريقها

 

كان Copland غير نافع على الاطلاق, كان دائما ما يتوقف عن العمل حتى دون تشغيل اى شىء, و كلما توقف عن العمل كان يفسد نظام الملفات, ما جعل التطوير له مستحيلا.

النسخة التجريبية الكارثية كشفت عن الفوضى العارمة التى تحدث داخل أبل.

بعكس ويندوز NT و الذى كان يتم تطويره بطريقة مركزية بقيادة دافيد كالتر, كان تطوير كوبلاند يتم من قبل فرق كبيرة من المبرمجين لا تربطهم اى علاقة حقيقية سوى اسم المشروع, لم يكن هناك تنسيق بينهم, كل منهم كان يعمل فى عالمه الخاص,

كانوا يضيفون الميزات تباعا للحاق بمايكروسوفت, حتى أنهم ارادوا لكوبلاند ان يشغل برامج Windows NT, حتى يصبح لأبل وجود فى عالم المؤسسات و الشركات.

مع كل هذه الميزات الجديدة, و انعدام التنسيق و اللامركزية فى التطوير, كان تصحيح الأخطاء مستحيلا, كل ميزة جديدة كانت تضيف مشكلة جديد الى النظام, و عجزوا تماما عن تنقيحه.

 

بدأ “جيل اميليو” يدرك الفوضى التى تضرب مشروع كوبلاند, و صرح فى صيف 1996 ان كوبلاند هو عبارة عن مجموعة من الأجزاء غير المترابطة, و التى يجب بطريقة ما ان يتم جمعهم فى نظام واحد!

حاول جيل اميليو انقاذ ما يمكن انقاذه, فقام بتعيين “الين هانكوك” من شركة National Semiconductor, و هى امرأه ذات خبرة طويلة فى ادارة المشاريع التكنولوجية و عملت لوقت كبير فى IBM.

بعد شهور قليلة من التقصى و المتابعة, أدركت “الين” ان الوضع ميئوس منه, و أن Copland لا يمكن أن يرى النور أبدا. و اقترحت ان يتم ادماج أجزاء من كوبلاند فى منتجات أبل شيئا فشيئا بدلا من اصداره كنظام متكامل.

 

image

الين هانكوك, سيدة أبل ال”حديدية”, اتخذت قرارات مصيرية و صعبة فى تاريخ أبل كايقاف مشروع Copland

 

 

قررت أبل ايقاف مشروع Copland رسميا فى أغسطس 1996 و بدأت فى البحث عن نظام تشغيل أخر خارج أبل, بالتوازى مع خطة “الين هانكوك” التى تقضى بادماج أجزاء من كوبلاند فى نظام MAC OS 7 القديم.

 

البحث عن نظام تشغيل!

“لقد امسكت بهم من خصاهم, و لسوف أعتصرهم فى يدى حتى يتألموا!”     جان لويس جازييه, المدير التنفيذى لشركة Be Inc شارحا طريقته فى التفاوض مع أبل

 

بعد فشل مشروع Copland, بدأت أبل تفكر فى شراء نظام تشغيل خارجى ليعمل على أجهزة أبل.

هداهم التفكير الى شراء  Be,Inc و هى شركة صغيرة فى كاليفورنيا أسسها “جان لويس جازىيه” و الذى كان يعمل فى أبل حتى عام 1990,

Be كانت تطور نظام تشغيل BeOS, الذى كان يتمتع بخصائص مميزة, مثل دعم تعدد المعالجات, و نظام ملفات بعيار 64-بت اسمه BFS.

كان BeOS يهدف الى منافسة Microsoft Windows و Apple MAC OS, الا أنه لم يستطع تحقيق نجاح يذكر.

رغم ذلك, كان BeOS يتمتع بمعظم الخصائص التى ترغب بها أبل, فهو يدعم تعدد المهام الوقائى Preemptive multitasking, و الذاكرة المحمية, و هو كذلك يدعم البرمجة الكائنية Object Oriented.

 

image

نظام BeOS, كانت له قدرات مميزة على صعيد الوسائط المتعددة Multimedia, الا انه لم ينجح تجاريا بفضل المنافسة الشرسة من مايكروسوفت.

 

فى البداية عرض “جان جازييه” على أبل ترخيص لاستخدام BeOS, الا ان “الين هانكوك” كان لها رأى أخر و هو شراء شركة Be Inc بشكل كامل, حتى لا يتكرر خطأ IBM مع مايكروسوفت MS-DOS(راجع الجزء الثانى).

لم يمانع “جان جازىيه” فى ذلك, و كان مستعدا أيضا للانتقال هو و فريقه المكون من 50 مهندسا الى أبل.

سافر “جان جازىيه” الى هاواوى ليلتقى ب”جيل اميليو” أثناء حضوره لمؤتمر هناك, و اشترط عليه الاشراف الكامل على تطوير أنظمة تشغيل أبل و لكنه سوف يعمل تحت امرة “ايلين هانكوك”.

قدرت أبل قيمة شركة Be ب50 مليون دولار فى البداية, لم يعجب السعر بالطبع حاملى الأسهم و لا “جازىيه”, الا أن قيمة الاستثمارات فى Be لم تتعدى 20 مليون دولار , كما ان BeOS كان ينقصه الكثير ليعمل على أبل, فهو لا يدعم الطباعة, و لا اللغات الأجنبية.

كان “جازىيه” يعتقد ان أبل فى حالة سيئة و هى تبحث عن نظام تشغيل بأى ثمن,

فتمسك برأيه,

فى النهاية عرضت أبل 125 مليون دولار ثمنا لBe, لكن حاملى الأسهم تمسكوا ب200 مليون دولار,

و لزيادة الضغط على أبل, قام “جازىيه” بترخيص استخدام BeOS لشركة Power Computing التى تصنع اجهزة متوافقة مع ماكنتوش,  الا ان هذا التكتيك أتى بنتيجة عكسية فقد أغضبت ادارة أبل كثيرا, و كانت القشة التى أنهت على المفاوضات تماما.

“جان جازييه” كان مخطئا فى تكتيكاته, صحيح ان “أبل” فى حالة سيئة, المبيعات تنحدر, و هى بلا نظام تشغيل حديث و منافس, و مايكروسوفت تواصل الضغط عليها, الا أنها لم تعدم الخيارات تماما,

 

image

جان لويس جازييه, الرئيس التنفيذى و مؤسس شركة Be Inc, صنع نظام تشغيل مثير للاعجاب بامكانيات قليلة لكنه لم ينجح فى التفاوض مع أبل

 

فهناك شركات أخرى تطور أنظمة تشغيل متميزة منها Next التى يملكها ستيف جوبز مؤسس أبل, كما أنها و فى أسوأ الظروف ما تزال تمتلك خيار تثبيت نظام تشغيل خارجى على أجهزتها مثل Windows أو Solaris.

نتيجة لذلك, كلفت “الين هانكوك” فريقها بدراسة امكانية استخدام Windows NT و   Solaris من شركة صن مايكروسيستمز أو حتى اعادة انتاج Taligent (التى أصبحت الأن تحت سيطرة IBM),

لكن ستيف جوبز كان يتابع الوضع على ما يبدو, فقام بالاتصال ب”جيل اميليو” للتباحث معه حول نظام تشغيل أبل الجديد (ستيف جوبز كان خارج أبل لكنه لا يزال يمتلك عدد كبير من أسهمها),

فى 25 نوفمبر, قام “جاريت رايس” و هو مدير متوسط فى شركة Next بالاتصال ب”الين هانكوك”, و عرض عليها ترخيص OPENSTEP للعمل على أجهزة أبل.

NeXt هى الشركة التى أسسها “ستيف جوبز” مباشرة بعد خروجه من أبل فى 1985, و تخصصت فى انتاج حواسيب عالية الأداء للأعمال, تعمل بنظام تشغيل كائنى التوجه هو NextStep.

رغم ان أجهزة نكست و نظمها كانت متطورة, الا انها لم تحقق نجاحا تجاريا بسبب اتفاع أسعارها التى كانت تبدأ من 10000 دولار.

رغم ذلك كان لأنظمة نكست الكثير من الفضل فى تطور أنظمة الحواسيب, جدير بالذكر ان أول خادم ويب Web Server فى العالم كان حاسوب Next.

NextStep كان نظاما جيدا بذاته, فهو يدعم تعدد المهام الوقائية و OPENSTEP و هى مكتبات تعتمد مبدأ البرمجة الكائنية Object Oriented.

اجتمع “ستيف جوبز” مع “جيل اميليو” و “ايلين هانكوك” و “دوجلاس سولومون” مدير ادارة المشاريع فى أبل للتباحث حول شراء Next,

NextStep كان بالفعل أكثر جاهزية من BeOS, فقد كان نظاما مجربا و ناجحا بالفعل و لو على نطاق ضيق من المستخدمين, كما أنه أفضل نسبة لاستخدامات الانترنت و الملتيمديا و هم مستقبل عالم الحوسبة لا شك.

فى 20 ديسمبر أعلنت أبل عن صفقة شراء Next, و تمت الصفقة فى 4 فبراير 1997 بسعر 427 مليون دولار و حصل “ستيف جوبز” على 100 مليون دولار بالاضافة الى أسهم فى أبل و أيضا عاد للعمل فى أبل لكن كمستشار ل”جيل اميليو”.

 

image

NextStep, الأب المباشر لما نعرفه الأن بMAC OS X

 

سوف يقوم “جوبز” بتأليب مجلس ادارة أبل على “ايمليو” فيما بعد و يصبح المدير التنفيذى لأبل.

بعد شراء NeXT, بدأت أبل مشروع Rhapsody الذى يهدف الى نقل أنظمة Next الى أبل. كانت الخطة ان تنتج أبل نظامى تشغيل, MAC OS للمستخدم العادى (لمنافسة Windows 95 و 98), و Rhapsody للأجهزة عالية الاداء و الخوادم (كمنافس لWindows NT),

بالطبع سوف يفضى Rhapsody الى MAC OS X فى 2001 و سوف توقف أبل نظام MAC OS القديم.

 

فى الجزء القادم:

 

تستعيد أبل بريقها مع “ستيف جوبز” و iMac, و تختلف شكل أنظمة التشغيل الموجهة للمستخدم العادى مع Windows XP و MAC OS X, كما سوف نرى حرب متصفحات الانترنت و شراسة مايكروسوفت فى حربها مع نتسكيب و AOL.

الى اللقاء فى الجزء القادم.

الحرب العالمية التقنية الثانية! مايكروسوفت, أبل, و جوجل من يربح؟! الجزء الاول

 

كما فى تاريخ السياسة وقعت حربين عالميتين غيروا شكل الخريطة السياسية فى العالم للأبد,

فان عالم التقنية كذلك يشهد حروبا عالمية تنتهى بتغييرات عميقة و جذرية فى عالم التقنية, و هذه التغييرات تبقى لوقت طويل, أقله حتى نشوب الحرب القادمة!

الحرب العالمية الاولى – السياسية – أدت الى تغيير خارطة اوروبا و استقلال الجزيرة العربية عن الخلافة العثمانية (و انهيارها فيما بعد) و تحول الامبراطورية الروسية الى الاتحاد السوفييتى الشيوعى.

دعونا نراجع أولا الحرب التقنية الاولى, ماذا حدث بها, و ماذا كانت النتيجة؟

حرب الاسعار فى الثمانينات : كومودور, أتارى, ابل, تاندى/راديوشاك, TI , Sinclair , مايكروسوفت-اى بى ام.

بداية الحرب :

ظهرت المعالجات الدقيقة فى اوائل السبعينات, الا ان استخدامها الموسع لم يبدأ الا بعد عدة سنوات, الارهاصات الاولى للكمبيوتر الشخصى كانت فى شكل دارات الكترونية تحوى معالج دقيق و ذاكرة صغيرة و تباع غالبا للمهووسين بالتقنية بسعر مرتفع نسبيا.

فى 1977 حدث التحول الكبير, حين أنتجت شركة كومودور حاسوب متكامل رائع أسمته “كومودور بيت”, فى الوقت نفسه تقريبا, أنتجت شركة صغيرة تقع فى كراج متواضع فى بالو التو – كاليفورنيا, حاسوب لا يقل عنه روعة هو أبل 2.

Commodore_PET_2001

جهاز كومودور بت

 

1977-Apple-II

جهاز أبل 2

 

تميز كلا الحاسوبين بكونهما أجهزة متكاملة تشمل لوحة مفاتيح للادخال و شاشة للعرض, بعكس الشكل الاولى للحاسوب الشخصى و الذى كان مجرد دارة الكترونية عارية.

سرعان ما حقق الحاسوب الشخصى نجاحا باهرا, و انفجر السوق و اجتاحته العديد من الشركات و المستثمرين,

شركة تاندى Tandy التى تمتلك سلسلة متاجر شهيرة احداها هو متاجر الكترونية اسمها Radio Shak, قامت بالاعلان عن جهاز TRS-80 المزود بمعالج Z-80,

شركة “أبل” استمرت فى تطوير جهازها أبل2, و ادخلت ابل2 بلس فى 1979.

شركة أتارى المتخصصة فى منصات الألعاب الاكترونية دخلت السوق فى 1979 بجهازها Atari 400,

فى 1980 دخلت شركة سنكلير البريطانية المتخصصة بانتاج دارات المذياع و الحاسبات الرقمية على الخط مع جهاز ZX80 و الذى حاز على شهرة واسعة,

شركة كومودور طورت خطوط انتاجها مع بيت 8000 و أجهزة CBM و SuperPet.

فى 1981 حدث الزلزال الذى هز سوق الحواسيب بدخول العملاق IBM بحاسوب تفوق قدراته معظم الحواسيب الاخرى المتنافسة. و بنظام تشغيل سوف يصبح فيما بعد أكثر نظم التشغيل شهرة و انتشارا, هو PC-DOS.

مع بداية الثمانينات كان السوق قد توزع جيدا بين المتنافسين, و بدأت حرب الحاسوب المنزلى فى الظهور.

و لنفهم الوضع جيدا, ففى هذا الزمان, انقسم الحاسوب الى نوعين :

– حاسوب مكتبى او مخصص لل”أعمال”, عادة يكون مرتفع السعر, و يخزن المعلومات على قرص مرن, غالبا ما كان يعمل بنظام CP/M, و فى داخله معالج Z-80 (و هو تقليد لمعالج انتل 8008), و طبعا أهم حاسوب مكتبى كان IBM-PC و ما تبعه.

– حاسوب منزلى : غالبا ما يحمل معالج من نوع MOS-8502 الرخيص و هو تقليد لمعالج موتورولا 6800 و يخزن البيانات على أشرطة الكاسيت, مثل أجهزة كومودور و أتارى و سنكلير, عادة كانت تستخدم فى الالعاب, لم يكن هناك انترنت, لذا فان الحاسوب لم يكن يمثل أكثر من جهاز العاب متطور. و لهذا السبب تفوقت الحواسيب المنزلية على مثيلاتها المكتبية فى الالوان و اصدار الاصوات.

كومودور تشعل الحرب 1983 :

عكس المتوقع, لم تنشب حربا فى القطاع الاعلى من السوق, بل فى أسفله, فى عالم الحواسيب المنزلية.

سوق الاجهزة المنزلية كان مكتظا بعشرات الصانعين, على رأسهم كانت كومودور و أتارى.

فى هذا الوقت كانت كومودور تنتج حاسوب يدعى “فيك-20”, سرعان ما اتخذ جاك تراميال قرارا بشراء MOS Technology التى تنتج المعالجات المستخدمة لمعظم الحواسيب المنزلية. الهدف هنا كان التحكم فى انتاج المعالجات و الرقاقات الالكترونية.

فى 1982 قامت كومودور بانتاج جهازها التاريخى Commodore 64 الشهير,

397509-commodore64setup

كومودور 64 موصول بتلفاز, أكثر أجهزة الحاسوب شعبية عبر التاريخ

 

شركة Texas Instruments, الان تنافس كومودور فى سوق الحواسيب المنزلية, و لكن جاك تراميال لم ينسى أبدا كيف أخرجته TI من سوق حاسبات الجيب بعدما خفضت أسعارها بصورة درامية,

و فى خطوة صادمة, اتخذ جاك تراميال قرارا بتخفيض أسعار Vic-20 و Commodore 64 الى النصف تقريبا, فأصبح VIC-20 يباع ب200 دولار, و Commodore 64 ب499 دولار, الهدف كان اخراج Texas Instruments من سوق الحواسيب المنزلية! و لكنه اخرج الجميع, و اخرج نفسه كما سنرى فيما بعد!

ti_99_4a_imagelarge

جهاز TI 99/4A

ردت أتارى مضطرة بخفض أسعار حواسيبها لتستطيع المنافسة, و تبعتها معظم الشركات الاخرى الأصغر حجما.

و بهذا انخفضت الاسعار الى ما تحت ال500 دولار,

فمثلا جهاز أتارى 400 أصبح يباع ب349 دولار,

و جهاز TI 99/4A بالسعر نفسه,

جهاز راديو شاك Radio Shack ب379 دولار.

نتيجة لهذه الحرب, باعت كومودور أعدادا قياسية من حاسوبها Commodore 64, وصلت الى 22 مليون وحدة فى وقت قصير, هذا الجهاز هو أكثر حاسوب بيع على مر التاريخ,

 

وقعت  TI فى فخ جاك تراميال, و خفضت اسعار حواسيبها أكثر فأكثر حتى وصلت الى حد ال99 دولار, ما عجل بالانهيار,

Jack-Tramiel

جاك تراميال

 

و هكذا زادت خسائرها بشكل سريع, و  خرجت Texas Instruments من السوق فى العام نفسه, بعدما فشلت فى مجاراة كومودور, حيث كانت تخسر فى الحاسوب الواحد ما يقارب ال 100 دولار, حتى ان “جيرى بورنل” الصحفى فى مجلة “بايت” ذائعة الصيت فى هذا الوقت, كتب ” TI توزع الحواسيب مجانا تقريبا”!

أما شركة أتارى المملوكة لWarner, فقد خسرت من الجهتين,

أتارى كانت احدى اكبر المنتجين لمنصات الالعاب المنزلية, و كذلك كانت تنتج اجهزة اتارى 400 و اتارى 800,

مع هبوط اسعار الحواسيب المنزلية, ابتعد المستهلكين عن شراء منصات الالعاب, طالما ان الحاسوب يستطيع تشغيل الالعاب بكفاءة عالية, و بالاضافة الى ذلك يمكنه من طباعة الكلمات و اجراء الحسابات المنزلية.

ارتفعت خسائر أتارى بشكل درامى, فمن ناحية انخفضت مبيعات منصات الالعاب بشكل كارثى, و من ناحية أخرى فشلت فى منافسة كومودور فى حرب الاسعار,

قامت أتارى بتجديد خط الانتاج لتنشيط المبيعات, و أنتجت جهازى 1200 اكس ال, و لكنه فشل فى تحقيق المبيعات المطلوبة, و خسرت موسم أعياد رأس السنة,

ارتفعت خسائر اتارى لدرجة كارثية, حتى انها كانت تخسر ملايين الدولارات فى اليوم الواحد (و هذا مبلغ كبير وقتها).

لايقاف النزيف, عرضت شركة Warner أتارى للبيع. و خرجت من السوق فى 1984 بعد بيعها لجاك تراميال نفسه!

خروج اتارى و TI من السوق, تبعهما خروج عدد كبير من صغار المصنعين, الذين فشلوا بدورهم فى مجاراة حرب الاسعار بين الكبار,

أبل و IBM ابتعدوا عن حرب الاسعار تلك و نجوا من المجزرة, و حافظوا على مكاسبهم, لكنهم حصروا أنفسهم فى الطبقة العليا من السوق, حيث كانت حواسيبهم تتعدى ال1000 دولار.

أما كومودور التى أشعلت الحرب و سيطرت على سوق الحواسيب المنزلية, فقد خرجت بخسائر ضخمة, صحيح انها باعت الملايين من أجهزتها, الا ان معظمها كان يباع بسعر التكلفة, أو حتى بخسارة مالية.

هذه الخسائر أثرت على وضعها المالى على المدى الطويل,

نتيجة لذلك, اتخذ مجلس ادارة كومودور قرارا بتنحية جاك تراميال عن منصبه, فخرج و أسس شركة Tramel Technology, و سرعات ما قام بشراء أتارى المتعثرة من Warner,

ليبدأ الفصل الثانى من الحرب!

حرب أنظمة التشغيل الرسومية :

بعد ان وضعت الحرب أوزارها, كانت أبل تشعل حربا أخرى, لكن على طريقتها الخاصة,

فى 1984 انتجت أبل جهاز Macintosh ذو الواجهة الرسومية, استخدمت أبل كل أسلحتها الاعلامية لاقناع المستخدمين أن جهاز Mac هو الثورة التى سوف تغير عالم الحواسيب للأبد,

09_APPPLE

أبل ماكنتوش

 

صرفت أبل الملايين على الدعاية, اشترت معظم المساحات الاعلانية فى الجرائد, و عرضت اعلانا تلفزيونيا ملهما, و خرج الماكنتوش الى النور,

الماكنتوش بحد ذاته كان حاسوبا ضعيفا بمعالج متوسط و ذاكرة متواضعة, لكن ما ميزه فعلا هو نظام التشغيل ذو الواجهة الرسومية التى تعتمد على الفأرة فى الادخال.

تطرفت أبل كثيرا فى الاعتماد على العناصر الرسومية, حتى ان النظام لم يكن يحتوى على امكانية ادخال الاوامر نصيا, كل شىء كان يعتمد على الواجهة الرسومية, فيما عدا ادوات التطوير التى كانت تعتمد على لغة الباسكال(و التى كتب بها اجزاء كبيرة من نظام MAC OS), و كان يجب الخروج من الواجهة الرسومية للدخول فى وضع البرمجة.

رغم ان أبل لم تخترع الواجهات الرسومية (بل اشتقتها من حواسيب زيروكس), الا انها كانت اول من قدمها للجمهور بشكل موسع,

حقق الماكنتوش ردود افعال متباينة, ففيما أثنى عليه البعض, فان الاخرين قد اعتبروه “لعبة” و حاسوب لا يتمتع بجدية الحواسيب الرصينة ذات الواجهة النصية!

نتيجة لذلك, لم يحقق ماكنتوش المبيعات المرجوه, لكنه سوف يعوضها لاحقا!

كومودور :

كومودور الملكة المتوجه للحواسيب المنزلية, و التى خرجت منتصرة من الحرب الاولى, بدأت تشعر بالخطر,

رغم انها تحقق مبيعات جيدة, الا ان حواسيب Commodore 64 و Commodore 128 بدأت تشيخ,

كانت كومودور قد بدأت فى تطوير سلسلة جديدة من الحواسيب أسمتها Amiga, توجت هذه الجهود بجهاز Amiga 1000,

اشترت كومودور شركة برمجيات صغيرة اسمها Amiga, التى كانت تطور نظام تشغيل سوف يصبح احدى أفضل أنظمة تشغيل الثمانينات قاطبة!

Amiga500_system

أميجا 500

انه نظام Amiga OS.

amigaos_workbench

أميجا OS فى نسخته الاولى.

index

 

فبعكس نظام MAC OS, و الذى كان فقيرا,  أحادى المهام, و محدود جدا لجهة الالوان و الوسائط المتعددة, كان نظام Amiga متعدد المهام Preemptive Multitasking,

ميزة الPreemptive Multitasking لن تعرفها أبل الا مع MAC OS X فى 2001, و مايكروسوفت فى 1993 مع Windows NT! كومودور انتجتها فى عام 1985,

ليس هذا فقط, بل ان نظام اميجا المكتوب على لغة BCPL و C كان يحمل قدرات مذهلة على صعيد الوسائط المتعددة, لذا فان أميجا هو الحاسوب الذى أدخل الوسائط المتعددة (الصوت و الصورة) الى عالم الحواسيب.

رغم روعة الجهاز (كان بالفعل أفضل من اجهزة ماكنتوش و IBM), الا ان كومودور تعمدت ان تبيعه بسعر منخفض لمنافسة أبل و IBM,

نتيجة لذلك حقق جهاز أميجا مبيعات جيدة فى اواخر الثمانينات, و اعتبر بديلا رخيصا للماكنتوش و للIBM, الا انه لم يساعد شركته كثيرا كما سوف نرى فيما بعد.

أتارى الجديدة ترد على كومودور :

بعد عرضها للبيع, اشترى جاك تراميال شركة أتارى, و سرعان ما بدأ فى فى اعادة هيكلتها و تجديد خط الانتاج.

تم تطوير الهاردوير فى وقت قصير, لكن وجدت أتارى نفسها بدون نظام تشغيل مناسب, فبدأ البحث,

فى البداية عرضت مايكروسوفت على جاك تراميال نقل نظامها “ويندوز” و الذى كان لا يزال قيد التطوير الى منصة أتارى, لكن الجدول الزمنى كان يبلغ سنتين و هو وقت طويل, فرفضت أتارى العرض,

ذهبت اتارى الى شركة “ديجيتال ريسيرش” المطورة لنظام CP/M, و اتفقوا على تطوير نسخة من الواجهة الرسومية GEM لتعمل على اتارى,

بعثت أتارى بفريق من المبرمجين الى شركة “ديجيتال ريسيرش” لهذه المهمة, و هكذا ظهر نظام TOS (The Operating System(

نظام TOS كان عبارة عن نظام CP/M تمت اعادة كتابته لمعالج موتورولا 68000, و واجهة GEM الرسومية بعد اعادة ترجمتها.

و هكذا ظهر جهاز Atari ST الى النور.

أتارى ST حمل فى داخله مواصفات جيدة نسبيا, معالج موتورولا 68000 و ذاكرة عشوائية بحجم 512 ك.ب, و بنظام TOS الذى كان يشبه MAC OS الى حد كبير, ما جعل الناس يسمونه Jacintosh فى اشارة الى جاك تراميال.

رغم ذلك, فان قدرات جهاز الاتارى المميزة لناحية الاداء و القدرات الرسومية جعله خيارا شعبيا لتشغيل برامج التصميم الهندسى CAD, و كذلك برامج النشر و التصميم, كل هذا بسعر أقل من الماكنتوش.

300px-Atari_1040STf

جهاز أتارى ST

ST_Desktop

نظام أتارى TOS

 

مايكروسوفت :

مايكروسوفت, الشركة الفتية التى بدأت فى الصعود السريع نتيجة لمبيعات نظام MS-DOS, و التى كانت للتو قد بدأت السيطرة مع أى بى ام على سوق الحواسيب المكتبية المخصصة للأعمال.

كان أى بى ام و نظام DOS ينتشر بشكل مثير للاعجاب, رغم بساطته, فان انفتاحه و منطقية و بساطة تصميمه, بالاضافة الى قوة أجهزة IBM و جودتها, جعلت معظم المبرمجين يفضلون العمل عليه.

بدأت مايكروسوفت فى تطوير ويندوز منذ عام 1982 تحت اشراف بيل جيتس, و ظهر لأول مرة فى شكل تجريبى خجول عام 1983, لم يثر الكثير من الاهتمام, لكن ستيف جوبز أدرك ان ويندوز هو الخطر الحقيقى على ماكنتوش, فقام بمهاتفة بيل جيتس و يقال انه سبه بأقذع الشتائم و اتهمه بسرقة أفكاره لناحية الواجهة الرسومية.

ظهر ويندوز للنور فى اواخر 1985, كواجهة رسومية تعمل أعلى نظام MS-DOS, و كان يعتمد على MS-DOS فى معظم مهامه مثل حفظ الملفات و التعامل مع الاجهزة الخارجية, و اللافت ان شركة IBM كانت بعيدة تماما عن تطويره, و هذه كانت بداية القطيعة ثم العداوة بين الشركتين.

300px-Windows1.0

ويندوز 1.0

 

الطريف, انه عند ظهور الويندوز, لم يتوقع احد أن هذا النظام سوف يسيطر فيما بعد على الحواسيب لعقود قادمة, بل قوبل بالسخرية و النقد الشديد, اليكم بعض الانتقادات التى كانت توجه للويندوز :

– نظام ويندوز يعتمد بشكل كبير على الادخال بالفأرة, و ليس مريحا لدى استخدامه بواسطة لوحة المفاتيح, و كلنا نعرف ان لوحة المفاتيح هى وسيلة الادخال الافضل و الاكثر انتشارا.

– نظام ويندوز بطىء جدا و يحتاج الى حاسوب ذو مواصفات عالية لتشغيله.

و تطرف الخبراء, و توقعوا سقوط مايكروسوفت خلال سنوات قليلة, و أن نظام ويندوز هو بداية النهاية لمايكروسوفت, و أن مايكروسوفت عليها ان تتوقف عن تطويره و تعود الى التركيز على MS-DOS!

ألا يذكركم هذا بشىء؟!

و الحقيقة ان نظام ويندوز 1.0 فشل فى تحقيق مبيعات جيدة, و لكن مايكروسوفت لم تيأس,

احدى ميزات مايكروسوفت انها لا تيأس أبدا, و انها تثق فى منتجاتها, و تعتمد على النفس الطويل و على الثقة التى تنتقل فيما بعد الى المستخدمين,  فاذا فشل منتج ما, فانها تعيد تقييمه و تطويره ثم تطلقة مرة أخرى, و هكذا, حتى ينجح, 

بعد فشل ويندوز 1.0, أطلقت مايكروسوفت ويندوز 2.0, و الذى حمل اضافة مهمة هو القدرة على ترتيب النوافذ فوق بعضها البعض, و لكنه أيضا فشل فى تحقيق المبيعات,

صدق او لا تصدق, لم يحقق ويندوز نجاحا لافتا, الا بعد 7 سنوات من اطلاقه, و تحديدا مع نسخة ويندوز 3.1, رغم ذلك كانت مايكروسوفت تصر طوال هذه السنوات ان ويندوز هو المستقبل و ليس MS-DOS.

300px-Windows_3.11_workspace

ويندوز 3.1

 

و هكذا, بمرور عام 1985, كانت معظم الشركات قد دخلت عصر الحوسبة القادمة, أى الحوسبة بمعيارية 16/32 بت, و الواجهات الرسومية, و تعدد المهام,

انتهى العام 1986 بنحاح محدود لأبل ماكنتوش و كومودور أميجا, و فشل كبير لويندوز 1.0 بعد أن فضل معظم المستخدمين البقاء مع MS-DOS وحده.

المفاجأة انه فى السنوات القليلة التالية سوف ينقلب السوق رأسا على عقب بنجاح غير متوقع لجبهة أخرى تماما و جيش جديد من المصنعين المقلدين لأى بى ام, و دعم مايكروسوفت لهم و تضاؤل تأثير أى بى ام.

لكن السوق لم يكن ليتحمل كل هؤلاء, فمن فاز؟ و من خسر؟ و من اكتفى بالنجاه من الموت؟!

هذ ما سوف نراه فى الجزء الثانى, فالى اللقاء.